الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2011

توهج أخير .. قصة قصيرة

" إلى كل الأشياء المعنوية التى لا تتقلص " هكذا كان إهداء يس على مجموعته القصصية التى صدرت منذ شهرين .
ذهب يس إلى صخرته المفضلة بكورنيش الإسكندرية ليحتفل وحيداً بصدور مجموعته التى تحوى خلاصة كل الأشياء المادية والمعنوية التى تقلصت فى حياته , وربما القادم أقوى فى التقلص والتلاشى !!

قرر يس أن يقيم حفل توقيع للبحر فقط , جلس على صخرته التى تؤنس وحدته دائماً , أخذ يقص عليها كل القصص التى كتبها فى مجموعته , وأحياناً كان يُضفى على الحكى التجربة الحقيقية التى جعلته ينزف بقلمه .

وبعدما انتهى من الحكى وضع مجموعته القصصية فى صندوق خشبى مكتوب عليه برقائق النحاس " إلى صديقى العزيز .. البحر .. أُبلغك أن كل الأشياء المعنوية تقلصت واختفت , أشكرك على كل شىء قضيته معك , وكل حكمة استخلصتها من صمتك , وكل هداية أرشدتنى إليها .. الوداع " ألقى يس الصندوق فى البحر وجلس يُهمهم للصخرة بكلمات لا يفهمها , كأنه يُقاتل ألم الحنين المُتوقع , كأنه يشعر بأنها أخر جلسة له هنا , بكى يس دون أن يشعر , وقتها كل المشاعر اتصلت , كل الجروح ظهرت وتكاتفت كى تَكسره حتى فى يوم نجاحه المُنتظر .

رائحة الذرة المشوى والبطاطا بجواره جعلته يتذكر أمه الحنون التى تركته وحيداً لتلتهمه حماقة وغباء البشر المتناهى , وأيادى الأطفال المتعلقة بأبائهم جعلته فى حالة مُتوهجة من الحنين إلى والده , كان يتمنى أن يكونوا معه فى هذا اليوم ليحتفلوا بمجموعته القصصية , لكنهم رحلوا مُبكراً , أو ربما هو الذى أتى بمجموعته متأخراً  !

عاد يس إلى منزله , ووضع ما يقرب من عشر نسخ من مجموعته على منضدته المتهالكة التى تحوى كل أشيائه العتيقة الأصيلة التى لا يريد أن يتخلى عنها أبداً , ومن تحتها مفرش أمه القديم التى قامت بعمله وغزله أثناء دراستها فى المدرسة الثانوية , ليت كل الأشياء تحتفظ بأصالتها , هكذا كان يقول يس دائماً , حتى شريكة حياته التى لم يجدها حتى الأن كان يريدها أن تكون أصيلة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سامية , فالجمال وحده لا يكفى والذكاء أيضاً لا يكفى , ربما الأصالة تكفى لأن تجعلنى سعيداً مع زوجتى ولكننى لا أعرف معنى دقيقاً للأصالة حتى الأن .

الدنيا جعلت يس يرتدى عباءة الحزن أكثر مما يجب , تمنى كثيراً أن يذهب للمكان الذى سيخلعها فيه وينعم بما افتقده هنا , يعتقد يس أن كل الأخطاء تولد قيصرياً بإيدينا وليست ولادة طبيعية بيد القدر , حملته أخطاء وتناقضات الأخرين هماً كبيراً جداً سترونه فى مجموعته بمنتهى الدقة .

الحكمة لا تأتى مفردة , دائماً وأبداً تأتى مع الشقاء لتكون بالغة وتُناسب الأقوياء القادرين على حملها وبعثها فى نفوس الأخرين , أو حتى بعثها فى أنفسهم فقط , الحكمة دائماً صعبة على حاملها , التفكير والتأمل المستمر يجعله يرى إجهاضات الفكرة ودعاماتها , الوجه الأسود والأبيض , الحكمة ليست سهلة , الحكمة فقط لمن يستطيع أن  يتحمل عبئها .

أحضر يس لنفسه كوباً من الشاى احتمى بدفئه وجلس يقرأ بعضاً من الأشعار العامية التى كتبها طيلة حياته , كان دائماً يعتقد أن الشعر الأقرب إلى الناس هو الشعر العامى , يتحدث عنهم قبل أن يتحدث لهم , ظل يكتب شعره العامى بالرغم من تمكنّه من اللغة العربية فى كتابة القصة والمقال , ظل يكتب أشعاره دون أى فائدة فهى توجد الأن مع كل ذكرياته الموجودة فى الأدراج السُفلى لدولابه ولم ترى النور حتى الأن , أخذ يطالع بعضاً من شعره ثم جعله الحنين يُطالع كل ما مضى فأخذ يتجول بين ملامح الفوتوغرافيا التى تحمل كل السنوات الماضية فى جُعبتها , أخذ يتابع بسمات والده ونسمات والدته وكل روائع الخالق التى التقطها فى رحلاته الجامعية التى كان دائماً يجلس فيها وحيداً .

كان يوماً كئيباً جداً على يس , لكنه اعتاد أن يرى مثله كثيراً , لكن نهاية هذا اليوم كانت مُختلفة تماماً فقد لاحقته إبتسامات رائعة عندما وجد فى دُرج ذكرياته كل الصور النادرة التى جعلته يعود بالزمن سنوات وسنوات .

تمت ...

وكانت هذه أخر قصة كتبها يس , أراد فيها أن يؤدى دور الراوى ليتحدث عن نفسه بمنتهى الدقة , وطلب منى أن أضعها فى مجموعته فى طبعتها الثانية إذا نفذت الطبعة الأولى وتم عمل طبعة ثانية , كان قد أرسلها لى منذ أربعة أيـام فقط , وبالفعل نفذت الطبعة الأولى فى أسرع وقت وحققت مجموعته أعلى نسبة مبيعات خلال العشر سنوات الماضية , وعندما ذهبت لأخبره كانت قد وفته المنيّة وهو جليس الفراش وحوله بعض الصور القديمة ومجموعة أوراق متهالكة .
وشَرُفت أنا بأنى صاحب دار النشر التى نشرت تلك الرائعة وسعدت جداً بالتعامل مع الأستاذ يس الذى فى أقل وقت رأيت فيه أخلص صديق وأصدق جليس على وجه الأرض .. رحمه الله

مجلة أصالة المُنتهى
عدد شهر سبتمبر
2011

الجمعة، 23 سبتمبر، 2011

كارمينى .. قصة قصيرة

نزلت مُسرعاً كى لا يفوتنى القطار , ويصبح يومى كئيباً من بدايته وأجلس كعادتى ألعن الظروف التى أتت بى فى هذه البلدة الموحشة التى تشعرنى بأضعاف شعور الغربة , فلكم التهمنى إحساسى بالإشتياق والحنين إلى بلدتى وبيتى وفراشى وغرفتى المُهملة وأصوات جيرانى المزعجين , وجلسات الليل العائلية فى صحبة مذياع أبى القديم على أصوات شجن مصر الأصيل أم كلثوم .

توقفت لحظة حنينى المُتوهجة لملاذى الأصيل حين رأيت السيدة كارمينى قادمة علىّ , جارتى السيدة كارمينى رائعة ملائكية لا يمكننى وصفها كباقى البشر , تحبنى كثيراً ونتسامر سوياً فى أوقات فراغى وتنصحنى كثيراً فى حياتى بحِكمتها البالغة , وأساعدها كثيراً فى أمور حياتها لكبر سنها , اعتادت كارمينى ان تنادينى بـ " صغيرى " ,, أحبها جداً كارمينى , أرسلها لى القدر لتُهوّن علىّ ظروف الغربة الُمصرة على جعلى كئيب من الدرجة الأولى . كم تمنيت أن تكون دراستى فى مكان أقرب حتى أستطيع أن اطمئن على أسرتى وإخواتى , وحتى لا يقلق أبى علىّ , فهو شديد القلق هو وامى , امى دائماً كانت تقول " فى زماننا هذا يجب أن نخف على الصبية أكثر من الفتيات " , وكان أبى لا يستطيع النوم حتى نعود أنا واخى إلى المنزل , ويُغلق متاريس بيتنا وينام .

وها هى كارمينى تُهوّن علىّ كل هذا الألم والحنين بإبتسامتها العجوز المُشرقة التى تشبه إبتسامة فتاة فاتنة فى العشرينات , تطل دائماً بسحرها كل صباح علىّ وتسألنى إذا كنت بحاجة لها , اما اليوم فقد جائت لتخبرنى أنها ستذهب لشراء بعض لوازمها من السوق وانها تريد ان توصلنى معها فى سيارتها , فالسوق يُبعد قليلاً عن الجامعة التى أدرس بها .

صوتها الحنون وعيناها الرائعتان المحدبتان وشعرها الأشقر الإنسيابى وكل روائعها أطلت علىّ بإطلالة غير عادية فى هذا اليوم , وقالت لى بصوت رقيق خافت , كيف حالك يا صغيرى .. لعلك بخير ؟
رددت وعلى وجهى إبتسامة مطمئنة .. بخير سيدتى , كيف حالك أنتِ
" بخير يا صغيرى , هل انت ذاهب للجامعة ؟ "
نعم .. بإذن الله سيدتى الجميلة
" أنا ذاهبة للسوق , تعالى معى أوصلك فى طريقى "
فأمأت برأسى بالموافقة , وركبنا سيارتها القديمة التى عمرها يقرب عُمر كارمينى , أخبرتنى أن والدها قد اشتراها بعد ميلادها مباشرة وكان لا يريد بيعها أبداً , ومات وتركها لكارمينى وتمسكت بها أيضاً لأنها أخر شىء ملموس تبقى من أبيها , كارمينى كالجبل تحملت كثيراً فى حياتها , كل من أحبتهم رحلوا عنها فى لمح البصر , تَغيّبوا عن الصفحات فى ساعة واحدة فى حادث مُريب .
بمُجرد ركوبنا السيارة , لاحقتنى بصوت دقيق وجاد ,, كيف حال الدراسة
رددت بخير ,, فقالت بحزن وإرهاق وكيف أخبار بلدتنا معك ؟
وقبل أن أجيب بادرت بهذه النصيحة الغريبة التى برغم سماعها كثيراً منها إلا انها هذه المرة كانت غريبة جداً وتثير الفضول , كان جوفها يتألم , وعيناها تلمعان , شُعرت بشىء غريب , قالت بصوت رقيق " أتمنى أن تحاول ان تتأقلم مع الوضع الحالى , اترك ما مضى , حب الحياة , جدد ايامك ومارس أشياء جديدة , اذهب للصيد أو لمشاهدة مباريات كرة القدم , لا تترك نفسك هكذا "
قلت لها .. لماذا تقولين لا تترك نفسك هكذا ؟ ...
وقبل أن أُكمل أستكملت حديثها بلمعان أقوى فى عينيها وصوت هش يريد الرحيل , قالت اسمع لابد ان تفعل ذلك , لم يبق الكثير .
هيا لقد وصلنا للجامعة , أراك فى أمسية اليوم , ساُكمل أنا طريقى للسوق وسوف أعود على الفور .

وفى هذه اللحظة لمحت كارمينى تغمض عينيها بين الحين والأخر ويبدو عليها الإرهاق فسألتها أن أوصلها لأنها تبدو مُرهقة جداً وربما لا تستطيع قيادة السيارة .
فرفضت وقالت " لا اذهب انت لدراستك , وانا سأذهب وحدى , سأذهب وحدى "
فابتسمت لها وسألتها إذا كانت تريد أن تدخل معى لأعرفها على حبيبتى التى احكى لها دوماً عنها . فقالت مرة أخرى .
" كما تريدين سيدتى العجوز كارمينى " هكذا رددت عليها بإبتسامة مُشرقة تشبه إبتسامتى لحبيبتى التى سأراها بعد دقائق , انتعش هكذا كلما تذكرتها أو أتت سيرتها أو قبل رؤيتها .
" سيدتى العجوز , اما زلت مُصر " هكذا همهمت كارمينى ولم أفهم ما قالت .
ورحلت كارمينى ذاهبة للسوق , وذهبت أنا قاصد المقهى المقابل للجامعة الذى اعتدنا أن نجلس فيه دائماً , كان معادنا فى تمام الثامنة صباحاً وقد وصلت أنا مُبكراً بفضل كارمينى , أصبحت كارمينى هى البلدة التى أعيشها هنا , جعلتنى أرى كل الأشياء كارمينى .

وصلت أنا المقهى الساعة الثامنة إلا عشر دقائق , أخرجت دفتر كتاباتى من حقيبتى وبدأت أُدون بعض همساتى لحبيبتى وبعض الحماقات التى أراها فى الحياة , دائماً ما أرى نفسى سأكون مُفكراً وحكيماً يوماً ما لكنى لا أعرف متى سيأتى هذا اليوم , أعى جيداً أن الحكمة ليست لقب ولكنها منهج وأنا لا أعرف إذا كنت اتبعه فى حياتى أم لا , لكنى أرى كل الأشياء المعنوية تتقلص وتتلاشى وتسمو إلى خالقها , والبشر يتعمدون البقاء فى ارتكاب الحماقات ربما فطرتهم هكذا .. ربما !

أبحرت فى كتاباتى التى دائماً يغلب عليها طابع الكأبة القاتم , كان اخوتى دائماً يسموننى بالكئيب واعتدت أنا على الكأبة ربما أجد نفسى بين ملامحها , التصقت بى وأصبحت معى دائماً , لكن اخوتى ليسوا معى , اشتاق لهم كثيراً وافتقد أبى وأمى أكثر .

لم اهتم بالوقت أثناء الكتابة ولكنى شعرت أن حبيبتى قد تأخرت وبالفعل وجدت الساعة الثامنة والنصف , التمست لها الأعذار فى تأخيرها وواصلت الكتابة فى إنتظارها , ولمحت فى المقهى كل رموز الحب جالسة فى لوحات فنية تعبر عنها الأشواق بمُنتهى الروعة على كل طاولة , كل المعانى تتألف حولها لتأتى بالمعنى الحقيقى الأبدى الذى أعرفه جيداً أنا وحبيبتى , ظل الأشجار يطل عليهم من النوافذ ورائحة خريفية ترسم النسمات فى الهواء , موسيقى هادئة فى المقهى , هدوء تام من طاقم عمل المقهى , جواً ساحراً تأملته لحظات ونظرت للساعة فوجدتها تمت التاسعة , فأدركت انها لن تأتى , ربما هناك ظرفاً طارئاً تسبب فى عدم مجيئها . وضعت دفترى فى حقيبتى وتركت حساب المشروب على الطاولة ورحلت .

ركبت تاكسى من أمام المقهى , كان السائق يسير بسرعة جنونية , وصلت بحمد لله إلى المنزل وكانت أسرع مرة أصل فيها بسبب هذا السائق المُختل .
ووجدت سيارة كارمينى , وتعجبت لعودتها مُبكراً , سمعت همهمات عالية وأصوات كثيرة وأنا فى الخارج , لمحت أناس يلتفون حول بيت كارمينى , ذهبت لهم مُسرعاً , الرجال يبكون فى صمت والنساء جيراننا يبكون ويتأملوننى ويحدقون فىّ بشكل عجيب , التفت على يمينى لأجد الصاعقة , وجلست بجوارها كلى أمل أن يكون ما فهمته كله خاطىء , جلست أخاطبها , كارمينى ماذا بكِ , لا ترحلى من سيقضى معى أمسياتى ويسمعنى , من سيطل علىّ بإبتساماته المُشرقة , كارمينى .. كارمينى .. كااااااااااارمينــى  !!

أجهشت فى البكاء , وحاول أحد جيراننا أن يواسينى ويجعلنى اهدأ , لكنه لم يحدث ودخلت أتجول فى المنزل أبحث عن كارمينى , ربما يعبثون معى وكارمينى ما زالت موجودة , لم أكن اتخيل انها حقيقة .. كارمينى رحلت .
جلست فى غرفة نومها , مُنكس الرأس أشعر بكل خيبة الأمل فى هذه الدنيا القاسية , وسمعت حوار بين اثنتان من جيراننا لم أعرف من هم , قالت واحدة : ها هى كارمينى ظلت بجواره سنوات وهو ما زال فى عالمه فقالت لها الأخرى ماذا تعنى ؟
فقالت : أتت كارمينى هنا بعد حادثة أهلها وكان عمرها 22 عاماً لم يتبق لها أحد فى الحياة غير ذلك الشاب الذى تحبه حباً صامتاً , أتت لتسكن هنا بجواره بعد أنا ماتت حبيبته فى الجامعة , قد تكلمت معى كارمينى بخصوص ذلك من قبل , كنت قريبة جداً منها , كانت تعشقه لأبعد حد .

لم تستوعب أذناى ما سمعت , هول الصدمة الثانية المباشرة كان أقوى من كل شىء رأيته فى هذه الحياة منذ أن جئت لها , لم تستطع قدماى النهوض ونظرت صامتاً فى المرآة لمحت شعر رأسى أكثره غلب عليه الشيب وأصبح لونه أبيض , وكأن المرآة كانت تكذب علىّ طوال هذه الفترة وعكست المرآة بجوار شعرى فى صورتها جملة كتبتها كارمينى على الحائط  .
" 30 سنة فى حُبك وما زلت انت فى عالمك الذى لا تريد أن تقتنع بحقيقته وتراها , ليتك أتيت ولو لمرة واحدة عالمى , ثلاثون عاماً ترانى عجوز "

جلست أردد " كارمينى لم تكن ذاهبة للسوق , كارمينى أتت لتودعنى قبل أن ترحل "
رددتها أكثر من مرة حتى أغشى علىّ .

نقلونى الجيران إلى بيتى , استيقظت على صوت المنبه فى اليوم التالى فى الساعة السابعة صباحاً ولكنى لم انهض من فراشى فقد أدركت واقعى الأليم , وقمت بضبط المنبه على الساعة التاسعة , استكملت نومى فى درجة رائعة من اللاوعى , هذا هو الحل أمام هذه الحقيقة المُرة , لم تعد توجد حلول , الحياة تكاتفت مع كل شىء لتضع لى إختبار صعب جداً فى الصمود وها أنا أعلن فشلى بجدارة , رن المنبة فى تمام التاسعة وظل يرن ولكنى لم استيقظ ورحلت لواقعهم هم .

كنت أتمنى أن تكون النهاية هكذا ولكنى استيقظت وما زلت حياً أُرزق عذاب مُضاعف !!