‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 2 يوليو 2014

لا أحد يُدخن فى الغرفة

لا أحد يُدخن فى الغرفة.. من أين يأتى هذا الدخان؟ أشعر بدوائر مُنتظمة من الدُخان تتسرب إلى صدرى، ازدادت حين وضعت سماعة الهاتف بعد مكالمة أخى جمال، سمعت ما قاله جيداً ولم يبقى سوى أن استوعبه .. علىّ الآن أن اسير فى الشوارع مُنكس الرأس رافعاً شعار حىّ على التوبيخ يا رفاق، أنا جاهز الآن لنصيحتك لى عما ينبغى فعله فى السنوات القادمة.. ولا تنسى أن تُذكرنى بنسبتى المئوية.. عشرون بالمائة أخرى كانت كافية أن تجعلنى إنسان صالح أُعمر فى الأرض دوماً.. الصمت يدور حول أذنى يُرثينى فيما فقدت هذه الليلة، ظلت جملة واحدة عالقة بها جائتنى من خلف الكواليس، شخص ما كان واقفاً بجوار أخى لم استطع أن اُميز صوته لكنى أعرفه جيداً .. دائماً أميزه بقصر قامته وعيناه المحدبتان وإبتسماته التى تأتى بعد عناء لإقناعنا بنقاءها.. كان يدّعى دوماً معرفتنا، أعتقد انى رأيته يوماً فى بيتنا .. لقد بدأت ذاكرتى تخوننى .. أنا رأيته كثيراً عندنا.. قالها بثقة من لا ينتظر رداً:

- هو هارب من النتيجة يا جمال ؟ كنت احسبه متفوقاً وسَيُشرفنا !

خرجت بعدها ضحكاته عن قصد، تُقصى كل ما فى طريقها لتعبر أذنى.. لُـعاب بطريق مُنقرض يظل فى فمك لمدة يوم كامل.. لما هذه المصادفة.. لما لم تظهر النتيجة وأنا فى المنزل.. لما لم تتأخر كعادتها وكعادة كل شىء هنا؟!

انزلقت بداخلى وتكوّرت جانباً على سريرى أتجنب نداء عمى لتناول العشاء.. أى عشاء فى الواحدة والنصف صباحاً !! مرت دقائق قليلة وحدث ما كنت أخشاه وخرجت من الغرفة واضعاً على وجهى إبتسامة صفراء مُتبلدة إستعداداً للنقد اللاذع أو السخرية ربما، لا شىء مستحيل حدوثه لضحايا الثانوية العامة..!!
سنأكل اللحم سوياً، جلسنا نقطعه عدة مرات ونرتبه قبل أن نضعه فى أفواهنا، قد ساعدتهم بإبتسامتى وثباتى الإنفعالى الذى تعرفت عليه لأول مرة فى هذه الليلة.. هل أنا بارد حقاً أم اننى اتخفى بداخله حتى لا أُقطع رؤوسهم وأضعها فى الأطباق بدلاً من هذا اللحم الذى شاركنى فى معاناتى.. كلانا يُغتصب الآن ويُعذب.

الحقيقة...؟
بين دهاليز الأمل وقمة الإنكسار

  ***************

عُدت إلى بلدتى أسير فى تَتبُع المتطفلين باحثاُ عن بيتى، من تلك التى تزوجتها دون علم أهلها لأحصل على هذا الكم من التوبيخ والشماتة؟ نظرات لا تحتاج لذلك الشخص الذى يجلس فى القنوات الفضائية ليَعبث بالأحلام.. الرسائل دائماً واضحة ونحن الذى نجهلها بإرادتنا.

حالتى كانت لا تسمح بالتدقيق أكثر من ذلك، بلدتنا صغيرة.. ريفية.. أهلها يعرفون بعضهم، أنا اليوم "إدوارد نورتون" الذى اقتحم قريتهم.. لما لم أسير بينهم بشخصيته فى فيلم ( نادى القتال )، عسى أن أُقنعهم بالفكرة "أنت لست نسبتك المئوية".

كنت مُنكس الرأس بالفعل.. استقبل ألف مبروك من هذا وذاك وأرد فى عجلة، أقابل بعدها من يستدرجنى للوقوف معه بضع دقائق لأجيب له على إستفسارته ونتيجة فلان وسارة ودعاء وكارم وعلياء.. اسم الفتى الذى جاء فى المُنتصف كان تمويهاً عظيماً من صاحب الأسئلة الذى تخرّج لتوه من الجامعة ويبحث عن عروس ولا يريدنى أن أعرف حقيقة سؤاله.. لماذا يُجبرون حيوانات الساقية على السير فى الظلام ؟!

لاحقتنى شوارع البلدة بضيقها، وآسرتنى بضآلتها، حتى جاءت نظراتها هى.. صاحبة العيون الزرقاء والشعر البنى الذى لم أعرف لونه حتى الآن، أتخيلها دائماً أجمل إمرأة وأعذب أنثى.. كانت تقف فى البلكونة تربط شيئاً حول عُنقها، لمحت فى عينيها نظرة ثقة.. الوحيدة التى لم تُشعرنى بعجزى.. ما الذى يجعلها فى ثبات هكذا، ربما هى الوحيدة التى تعرف ان ما حدث ليس بيدى، واننى أكثر قدرة وذكاء عكس ما أشاع عنى البعض.. هى واثقة من ذلك.. هى تحبنى، كنت أرى نظراتها التى تختلسها من أجلى فى دروس العربى والكيمياء، لم أطيل النظر إليها حتى لا يشعر أحد بعلاقتنا التى لن تبدأ.. سارة لم تكن يوماً هكذا، دائماً تنظر لى وتبتسم وتسعى ان تتحدث معى، اليوم أصبحت فتاة أخرى ممن غَلفهن الوهم، فقررت ان تُجرب الوهم الذى دسه كل أهل القرية فى عقلها معى، المكانة الإجتماعية والعريس الغنى ابن الناس وكفاية ان اسمك دكتورة!
قد جائتنى البِشارة وعَلِمتُ نسبتها من مكالمات أصدقائى لى قبل عودتى (سبعة وتسعون بالمائة)، أهلاً بكِ فى الأكذوبة.. نتمنى لكِ حياةٌ أفضل وعلمٌ يَنفع.

أكملت مسيرتى حتى وصلت إلى البيت، وجدت الباب مُغلقاً بعكس حالته فى النسب المئوية الأعلى لأخى وأختى فى السنوات السابقة، وضعت المفتاح به ودخلت.. أين صناديق المياه الغازية ؟!

تفاجئت قليلاً بالوضع فى الداخل، لا أحد ينتظرنى.. الكل فى عمله وكأن شيئاً لم يكن،فقط شخص فقد نفسه، الفكرة الوحيدة التى ستصلك حال تأملك أقوال من بجوارك؛ ان الغريب لا يعرف سوى انه غريب..

الثلاثاء، 1 يوليو 2014

خطوات مُرتعشة

وقف يَقضى حاجته كمن يُلقى خطاباً أخيراً، نصفه السفلى يهتز كراقصة فى مرحلة الإحماء، وجهه يحمل قدراً من الإرتباك وفى فمه سيجارة تجود عليه بكرمها، أخذ ينظر لجدران الحَمّام بتوتر من يبحث عن حل للغز عجز عن إكتشافه المُحقق كونان.. بصق سيجارته على الأرض، وخرج بظهره كما اعتاد الخروج من أى مشكلة تواجهه.


مشى قليلاً حتى وصل إلى غرفته، وجدها كما هى ترتعش فى خفة ودلال، اقترب منها ..مسح بيده على رقبتها.. تحرك ثم تبعته هى بخطوات واثقة نحو شُرفة الصالة المُطلة على فيلا مهجورة وأشجار تحولت لتجاعيد نُقشت فى الأرض بأوراقها المُتساقطة، جلسا يتأملان القمر أو ربما كانت مناجاة للسماء فى نظرة أخيرة للحياة.. تركها فجأة ونهض، قدماه تتحمل قصر الطريق بصعوبة.. ابتلع ريقه لا إرادياً واحنى رأسه ثم صعد على سور الشُرفة.. نظرت له ثم هزت رأسها وتقدمت للأمام تبحث عن شىء لم تجده فى بيته منذ يومين أو أكثر، عثرت فى طريقها على بعض فتات طعام، تناولته فى نهم قبل أن تقف خلفه.. التفت لها وابتسم.. بكى كثيراً قبل أن يضحك ويَلّوح بيده بإشارات غير مفهومة كقائد أوركسترا ضَلّ طريقه، تحدث بصوت عالٍ عساه يجد رداً.. كان يتمنى أن يجد من يحاوره فى هذه اللحظة:

- 
- مفيش مساحة للفلسفة، ومفيش وقت للحياة


- بتحبينى؟
- 


- الموت حقيقى، مش كده؟
- 


- 
- احنا غرقانين فى الرمادى

-
-

صمت كل شىء حوله ما عدا قلب ينبض بشدة، يزداد نقاء نبضه تدريجياً ، تمتم اسماً واحداً كان اسمها.. بعدها انقطع سمعه وانعدمت الرؤية تماماً.

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

ما قبل البداية 2

أغمضت عينى لا إرداياً لمّا سقط الكتاب من يدى وجلست على الأرض أجر ظهرى بجانبى ، اتأمل غرفة غريبة غير التى كانت تعيش بداخلى من قبل..أوراق تعتلى الجدران عليها أشياء غريبة لم أقوى على قرائتها لمّا دققت النظر لها، مكتب ما زال مُحتفظ بوظيفته رغم ما فُعل به، وبرواز تخرج منه إبتسامة رقيقة تشبه إبتسامة سلوى.. الباب ما زال مُغلقاً.. والحقيقة ما زالت تائهة !!

وبعد لحظات صارعت فيها الكسل وجدت نفسى فى الحمّام تنهال علىّ قطرات المياه فى حوض الإستحمام مداعبه الضوء المنبعث من شباكه الذى يطل على المطبخ، فالحمام لمباته محروقة ولها أكثر من عام تحتضن الدويل القلاووظ، تتراقص فى آذنى اليسرى أنغاماً لعود وجد من يجتذب أوتاره.. وأذنى اليُمنى يملئها صخب الشارع ويعلوهما صوت طبلة أبى، دقات مُنتظمة تخترق أذنى ، تعلو فى كل مرة وتزداد قوة.. ارتعش جسدى ودمعت عيناى حين أُدركت انه لم يعد لى دهرٌ من الآن، ما زالت تتردد فى أذنى حتى الآن.

توفى إلى رحمة الله تعالى الحاج جاد عبد الكريم المسحراتى والد كل من محمد جاد عبد الكريم و مُراد جاد عبد الكريم وشقيق الحاج منصور عبد الكريم، والدفنة بعد صلاة العصر والعزاء قاصر على المقابر..
- آلو .. مين معايا
- مين معايا
- البقاء لله يابنى، شد حيلك
- مش سامع.. عَلّى صوتك

وقتها لم أعد بحاجة لوضوح الصوت، قفز فى آذنى صوت عالى يُردد خبر الوفاة، (توفى إلى رحمة الله تعالى الحاج جاد عبد الكريم المحسراتى....) أتى من سماعات يضعوها على سيارة نصف نقل تسير فى الشوارع لإخبار أهل القرية والقُرى المجاورة بحالات الوفاة

- أبوك مات يا مُراد

مواساة جرداء باهتة وزفة من الدموع والعويل لم تفعل شيئاً سوى انها آلمتنى أكثر.. حين تُدرك العُمق وتتوغل بأطرافٍ تأبى التقدم فى مسيرة يتحاشها عقلٌ يركض بشدة فى الماضى، وقتها ستصبح رأسٌ بلا فم وجسدٌ بلا أرجل..

اليوم أول أيام الشهر الكريم، أول رمضان بدون أبى...
أكملت هذا الحمام البارد وخرجت مُسرعاً من هذا المُكعب الضيق، بعد خروجى جَلست مُكبراً لآيات النظام الأسطورى الذى يجعلك تعتصر بكاءاً وندماً على حياتك القذرة، وزحفت على أرضية شفافة اُغتُصبت من قبل.. تستطيع ان ترى منها قاع الجحيم حتى وصلت إلى غرفتى.. تباً لحياة العُزاب !!

نظرت إلى المنضدة الوحيدة فى الغرفة، تقف فى عزة بثلاثة أرجل ونصف..أكملت لها النصف الباقى بقالب طوب أبيض ليكون سند لها باقى عُمرها، وجدت عليها طبق به بقايا طعام أول أمس وهاتفى المحمول بجانبه، أمسكت بالهاتف وطلبت رقم أمى.. أين صوتها، ثوانى وجاء صوتها

- ازيك يا ضنايا.. كل سنة وانت طيب
- الحمد لله يا حَجّة، بعودة الأيام.. طمنينى عليكِ
- فضل ونعمة يابنى
- محمد ومراته عاملين ايه معاكى ؟؟
- كويسين مش ناقصنا غيرك يا مُراد
- هانت يا ست الكل، كلها كام أسبوع واجمع كل مصاريف الكلية واجى اقعد معاكى لغاية الدراسة
- ربنا يقويك ويكرمك يابنى
- وحياة النبى يا امّا لو احتجتى حاجة تبقى تكلمينى
- حاضر يا حبيبى، خد بالك من نفسك انت بس
- حاضر.. فى رعاية الله يا حَجّة، مع السلامة

انتهت المكالمة التى هونت علىّ فقدانهم جميعاً. لكنى نسيت ان اسئلها عن إقتناع محمد بإمتهان مهنة أبيه حتى لا يأخذها منا أحد، فهى تأتى لنا برزق جيد كل سنة، آخر مرة تناقشنا فى هذا الموضوع لمحت في عيناه كِبرٌ  فى جملة رددها كثيراً دون أن يُحرك شفتاه "كيف لى أن أسير ليلاً أدق على طبلة لأوقظ أناساً لا يكترثون لطبلتى من الأساس، عادات رتيبة جوفاء) كان هذا رأيه دائماً حين يغضب من أبى ويأتى ليحكى لى، كانت تصدر منه كلمات تحيطها فروعاً من التبريرات  " ليه ميشتغلش شغلانة تانية.. محدش بيستنى الطبلة دلوقتى، احنا فى 2012 يا ناس " ، " مينفعش يا مُراد يكون دخلنا طول السنة من شغلانة فى 30 يوم بس، أبوك لازم يشوف حاجة تانية جنب موضوع المسحراتى ده "

توقفت الوساوس عن العبث برأسى لأنى أعرف محمد جيداً، هو ليس بغبى أو ساذج لهذه الدرجة، فهو يعرف ان أمى بحاجة لهذا المبلغ الذى يأتى فى نهاية هذا الشهر، محمد عصبى ومندفع لكنه أبيض القلب.. وسيخرج للعمل كأنها وظيفة إضافية له هذا الشهر فقط، أنا متأكد من هذا.

ألقيت بهاتفى على السرير و وقفت أمام المرآة أتحسس ذقنى التى رأيت فيها تجسيد حقيقى لقشرة التين الشوكى فيما قبل عصور النهضة، عيناى قد برزت إلى الخارج كسطر تتدلى من طفل فى المرحلة الثانوية غير قادر على كتابة اسمه.. نحيل أنا بالوراثة، وتعلو أسنانى صبغة صفراء قد توصلوا الأطباء الخبراء الذين يتخفون فى زى أصدقائى انها من كثرة تناول الشاى والقهوة وفريق أخر كاد أن يُجزم بأنها من قلة إستعمال السواك.. هؤلاء هم من اُطلق عليهم الآن (معرفة) اجتمعنا يوماً ما على لعب الكرة والأتارى والبلايستيشن والمذاكرة ليلاً على أضواء الأقمار الصناعية، لمست شعرى كعادتى حين أريد أن اتناسى شيئاً، وجدته يتخذ قضباناً من الشعيرات البيضاء، تقدمت خطوة للأمام أفرق بيدى بين خصلات شعرى أتبين أماكن هذه القلة المُندسة

سحبنى من شرودى صوت جرس الباب كمن يسحب أخر نفس فى سيجارته الأخيرة، نظرت عبر ثقب وُجد عن عِمدٍ من نجار الدرجة الثالثة الذى يُصلح لنا توالفنا، ها هو صديق الغربة المحلية الذي اتى سعياً وراء أجور تركيب السيراميك لذوى المال والنفوذ، وأحياناً ما يلحق بالأجور من فطار فاخر ومشروبات لم ولن نجدها يوماً فى القرية.. رامى، رفيق الأمل والضياع، باعث البهجة فى أحلك الأوقات، أنا أصغرمنه سناً، رامى حاصل على دبلوم فنى صناعى قسم لحام، له أكثر من ثلاثة أعوام يعيش فى القاهرة ، هو من عرض علىّ أن أسكن معه فى هذه الشقة عندما عَلِم أن جامعتى ستكون فى القاهرة، كلية التربية جامعة عين شمس، كانت هذه أمنية والدى التى اختلفت دائماً مع طموحاتى

فتحت له الباب، دخل ودخلت معه رائحة اشتقنا لها منذ مُدة طويلة

- اوعى تقول اننا هنفطر اللى أنا شامم ريحته ده
- ايوة يا سيدى، اومال جايبينه زينة يعنى
- بركاتك يا رمضان.. طب ايه؟ فى شغل جديد؟
- أكيد.. كنت قاعد مع مرزوق تحت، كلمونى من الشركة وقالولى هننزل فيلا فى التجمع الخامس
- يعنى انت مروحتش الشركة !! طب الفلوس دى جبتها منين يابنى؟
- ياعم استلفتها من مرزوق، طالما عرفنا ان فى شغل لازم نمنجه نفسنا وناخد باور عشان نعرف نشتغل
- ماشى ياعم الباور.. روح حطه فى التلاجة بقى، وخليك فاكر انت اللى عليك الدور النهاردة
- ربنا على المُفترى

***************

الخميس، 28 فبراير 2013

ما قبل البداية

صباح جديد يحمل بين أشعته روتين أبدى لا ينتشلنى منه سوى بضع ساعات من النوم تحملنى إلى يوم أخر دون أن أشعر، تذكرت ما روادنى فى حلمى طمعاً فى نفى الملل فى هودج يجوب الصحراء بلا ناقة..نظرت لساعة الحائط وجدتها الثامنة صباحاً..انتزعت ملابسى من خلف باب غرفتى وتسللت عبر مرآته، المح هالات سوداء تسكن أسفل عينى بدون مقابل، أعتقد أنى وقعت لها إيجار قديم يوماً ما.

حملت فى يدى كتاب دراسى وجدته فى أرضية الغرفة، عبرت صفحاته الأولى بسلام وبعدها أخذنى لمكان أعرفه جيداً، ساحات كبيرة تَملئها تربةٌ صفراء، على جانبيها أشجار تنوى الرحيل لكنها مترددة فى التساقط لتـُفرز ما تبقى منها على ذكريات العاشقين.. مظلات تحوى فى ظلالها إناث يجلسن فى إنتظار شىء لا يعرفونه أو خُيل لهن كذلك..وذكور تلهث بشدة فى فراغ الأبنية..منهم من يغتصب سيجارة بلا رحمة وآخر يبتلع ريقه حين يشاهد أنوثة تتلوى كحية تبحث عن مأوى لها..وسلالم تحمل ثنائيات غريبة الأطوار تجلس بجانب بعضها توّحد معنى الإنسجام، كنت أخشى دائماً فعل شيئاً كهذا ربما لأن الثنائيات تأتى بمرض خطير يتفاقم مع الوقت؟! طالما تجنبتها واحتميت بوحدتى، فألمها يأتى على المدى البعيد..قد تُصيبك بالجنون، أو لعنة السواء حين تحتاج السبيل !!

أخذت أتجول داخل المبنى فوجدت أفعال لا تسر الحاضرين..صيغ جاهزة صُنعت قبل الميلاد تحتل أفواه قاطنى مكاتب الألوميتال البُنية..تلال من الأوراق تُعلن أنها صاحبة العرش بلا منازع, طيف من الأسئلة يتجدد كل دقيقة ويَمر مرور الكِرام بلا إجابات مُرضية, دفعنى فضولى أن أصعد الطوابق العليا..الطابق الثانى لا يختلف كثيراً عن الأول..والثالث يحظى بنصيب كبير من القاعات الفارغة شاهدت واحدة منها على عجلة وجدتها باهتة وقديمة وبها كراسى خشبية من النوع الرخيص  المُستهلك الذى يعرضه عليك صاحب فَرش الأفراح فى آخر خياراته حين تحاول أن تقتلع منه مبلغاً جديراً بإنفعاله.أما الطابق الرابع رأيت فى مقدمته لوحة مكتوب عليها " قسم الإجتماع / قسم الفلسفة "، رأيت لوحات مثلها فى الطوابق الأخرى لكنى لم اهتم بقراءة ما عليها..تحركت قليلاً حتى وقعت عينى على.....!!

سلوى..صاحبة ثانى صدمة فى الحياة، كانت جميلة كما هى، الشرور تعبث بنا أحياناً وتُجملّنا فترة أخرى ..هكذا قلت فى نفسى، رأيتها تتقدم تجاهى قبل أن يأتينى صوت من الخلف:

- ايه يا عم .. اتخرجت انت ونسيتنا

التفت لأرى من يحدثنى، وجدت إضاءة غرفتى تستغل جفونى المُنهكة وتتسلل إلى عينى، وأمى تقف بجانب الباب تقول لى:

- الساعة 6 يا مراد ، يلا بقى قوم عشان توصل بدرى.

أغمضت عينى لا إرداياً لمّا سقط الكتاب من يدى وجلست على الأرض أجر ظهرى بجانبى ، اتأمل غرفة غريبة غير التى كانت تعيش بداخلى من قبل..أوراق تعتلى الجدران عليها أشياء غريبة لم أقوى على قرائتها لمّا دققت النظر لها، مكتب ما زال مُحتفظ بوظيفته رغم ما فُعل به، وبرواز تخرج منه إبتسامة رقيقة تشبه إبتسامة سلوى..الباب ما زال مُغلقاً..والحقيقة ما زالت تائهة!!
 

يُتبع ...

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

توهج أخير .. قصة قصيرة

" إلى كل الأشياء المعنوية التى لا تتقلص " هكذا كان إهداء يس على مجموعته القصصية التى صدرت منذ شهرين .
ذهب يس إلى صخرته المفضلة بكورنيش الإسكندرية ليحتفل وحيداً بصدور مجموعته التى تحوى خلاصة كل الأشياء المادية والمعنوية التى تقلصت فى حياته , وربما القادم أقوى فى التقلص والتلاشى !!

قرر يس أن يقيم حفل توقيع للبحر فقط , جلس على صخرته التى تؤنس وحدته دائماً , أخذ يقص عليها كل القصص التى كتبها فى مجموعته , وأحياناً كان يُضفى على الحكى التجربة الحقيقية التى جعلته ينزف بقلمه .

وبعدما انتهى من الحكى وضع مجموعته القصصية فى صندوق خشبى مكتوب عليه برقائق النحاس " إلى صديقى العزيز .. البحر .. أُبلغك أن كل الأشياء المعنوية تقلصت واختفت , أشكرك على كل شىء قضيته معك , وكل حكمة استخلصتها من صمتك , وكل هداية أرشدتنى إليها .. الوداع " ألقى يس الصندوق فى البحر وجلس يُهمهم للصخرة بكلمات لا يفهمها , كأنه يُقاتل ألم الحنين المُتوقع , كأنه يشعر بأنها أخر جلسة له هنا , بكى يس دون أن يشعر , وقتها كل المشاعر اتصلت , كل الجروح ظهرت وتكاتفت كى تَكسره حتى فى يوم نجاحه المُنتظر .

رائحة الذرة المشوى والبطاطا بجواره جعلته يتذكر أمه الحنون التى تركته وحيداً لتلتهمه حماقة وغباء البشر المتناهى , وأيادى الأطفال المتعلقة بأبائهم جعلته فى حالة مُتوهجة من الحنين إلى والده , كان يتمنى أن يكونوا معه فى هذا اليوم ليحتفلوا بمجموعته القصصية , لكنهم رحلوا مُبكراً , أو ربما هو الذى أتى بمجموعته متأخراً  !

عاد يس إلى منزله , ووضع ما يقرب من عشر نسخ من مجموعته على منضدته المتهالكة التى تحوى كل أشيائه العتيقة الأصيلة التى لا يريد أن يتخلى عنها أبداً , ومن تحتها مفرش أمه القديم التى قامت بعمله وغزله أثناء دراستها فى المدرسة الثانوية , ليت كل الأشياء تحتفظ بأصالتها , هكذا كان يقول يس دائماً , حتى شريكة حياته التى لم يجدها حتى الأن كان يريدها أن تكون أصيلة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سامية , فالجمال وحده لا يكفى والذكاء أيضاً لا يكفى , ربما الأصالة تكفى لأن تجعلنى سعيداً مع زوجتى ولكننى لا أعرف معنى دقيقاً للأصالة حتى الأن .

الدنيا جعلت يس يرتدى عباءة الحزن أكثر مما يجب , تمنى كثيراً أن يذهب للمكان الذى سيخلعها فيه وينعم بما افتقده هنا , يعتقد يس أن كل الأخطاء تولد قيصرياً بإيدينا وليست ولادة طبيعية بيد القدر , حملته أخطاء وتناقضات الأخرين هماً كبيراً جداً سترونه فى مجموعته بمنتهى الدقة .

الحكمة لا تأتى مفردة , دائماً وأبداً تأتى مع الشقاء لتكون بالغة وتُناسب الأقوياء القادرين على حملها وبعثها فى نفوس الأخرين , أو حتى بعثها فى أنفسهم فقط , الحكمة دائماً صعبة على حاملها , التفكير والتأمل المستمر يجعله يرى إجهاضات الفكرة ودعاماتها , الوجه الأسود والأبيض , الحكمة ليست سهلة , الحكمة فقط لمن يستطيع أن  يتحمل عبئها .

أحضر يس لنفسه كوباً من الشاى احتمى بدفئه وجلس يقرأ بعضاً من الأشعار العامية التى كتبها طيلة حياته , كان دائماً يعتقد أن الشعر الأقرب إلى الناس هو الشعر العامى , يتحدث عنهم قبل أن يتحدث لهم , ظل يكتب شعره العامى بالرغم من تمكنّه من اللغة العربية فى كتابة القصة والمقال , ظل يكتب أشعاره دون أى فائدة فهى توجد الأن مع كل ذكرياته الموجودة فى الأدراج السُفلى لدولابه ولم ترى النور حتى الأن , أخذ يطالع بعضاً من شعره ثم جعله الحنين يُطالع كل ما مضى فأخذ يتجول بين ملامح الفوتوغرافيا التى تحمل كل السنوات الماضية فى جُعبتها , أخذ يتابع بسمات والده ونسمات والدته وكل روائع الخالق التى التقطها فى رحلاته الجامعية التى كان دائماً يجلس فيها وحيداً .

كان يوماً كئيباً جداً على يس , لكنه اعتاد أن يرى مثله كثيراً , لكن نهاية هذا اليوم كانت مُختلفة تماماً فقد لاحقته إبتسامات رائعة عندما وجد فى دُرج ذكرياته كل الصور النادرة التى جعلته يعود بالزمن سنوات وسنوات .

تمت ...

وكانت هذه أخر قصة كتبها يس , أراد فيها أن يؤدى دور الراوى ليتحدث عن نفسه بمنتهى الدقة , وطلب منى أن أضعها فى مجموعته فى طبعتها الثانية إذا نفذت الطبعة الأولى وتم عمل طبعة ثانية , كان قد أرسلها لى منذ أربعة أيـام فقط , وبالفعل نفذت الطبعة الأولى فى أسرع وقت وحققت مجموعته أعلى نسبة مبيعات خلال العشر سنوات الماضية , وعندما ذهبت لأخبره كانت قد وفته المنيّة وهو جليس الفراش وحوله بعض الصور القديمة ومجموعة أوراق متهالكة .
وشَرُفت أنا بأنى صاحب دار النشر التى نشرت تلك الرائعة وسعدت جداً بالتعامل مع الأستاذ يس الذى فى أقل وقت رأيت فيه أخلص صديق وأصدق جليس على وجه الأرض .. رحمه الله

مجلة أصالة المُنتهى
عدد شهر سبتمبر
2011

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

كارمينى .. قصة قصيرة

نزلت مُسرعاً كى لا يفوتنى القطار , ويصبح يومى كئيباً من بدايته وأجلس كعادتى ألعن الظروف التى أتت بى فى هذه البلدة الموحشة التى تشعرنى بأضعاف شعور الغربة , فلكم التهمنى إحساسى بالإشتياق والحنين إلى بلدتى وبيتى وفراشى وغرفتى المُهملة وأصوات جيرانى المزعجين , وجلسات الليل العائلية فى صحبة مذياع أبى القديم على أصوات شجن مصر الأصيل أم كلثوم .

توقفت لحظة حنينى المُتوهجة لملاذى الأصيل حين رأيت السيدة كارمينى قادمة علىّ , جارتى السيدة كارمينى رائعة ملائكية لا يمكننى وصفها كباقى البشر , تحبنى كثيراً ونتسامر سوياً فى أوقات فراغى وتنصحنى كثيراً فى حياتى بحِكمتها البالغة , وأساعدها كثيراً فى أمور حياتها لكبر سنها , اعتادت كارمينى ان تنادينى بـ " صغيرى " ,, أحبها جداً كارمينى , أرسلها لى القدر لتُهوّن علىّ ظروف الغربة الُمصرة على جعلى كئيب من الدرجة الأولى . كم تمنيت أن تكون دراستى فى مكان أقرب حتى أستطيع أن اطمئن على أسرتى وإخواتى , وحتى لا يقلق أبى علىّ , فهو شديد القلق هو وامى , امى دائماً كانت تقول " فى زماننا هذا يجب أن نخف على الصبية أكثر من الفتيات " , وكان أبى لا يستطيع النوم حتى نعود أنا واخى إلى المنزل , ويُغلق متاريس بيتنا وينام .

وها هى كارمينى تُهوّن علىّ كل هذا الألم والحنين بإبتسامتها العجوز المُشرقة التى تشبه إبتسامة فتاة فاتنة فى العشرينات , تطل دائماً بسحرها كل صباح علىّ وتسألنى إذا كنت بحاجة لها , اما اليوم فقد جائت لتخبرنى أنها ستذهب لشراء بعض لوازمها من السوق وانها تريد ان توصلنى معها فى سيارتها , فالسوق يُبعد قليلاً عن الجامعة التى أدرس بها .

صوتها الحنون وعيناها الرائعتان المحدبتان وشعرها الأشقر الإنسيابى وكل روائعها أطلت علىّ بإطلالة غير عادية فى هذا اليوم , وقالت لى بصوت رقيق خافت , كيف حالك يا صغيرى .. لعلك بخير ؟
رددت وعلى وجهى إبتسامة مطمئنة .. بخير سيدتى , كيف حالك أنتِ
" بخير يا صغيرى , هل انت ذاهب للجامعة ؟ "
نعم .. بإذن الله سيدتى الجميلة
" أنا ذاهبة للسوق , تعالى معى أوصلك فى طريقى "
فأمأت برأسى بالموافقة , وركبنا سيارتها القديمة التى عمرها يقرب عُمر كارمينى , أخبرتنى أن والدها قد اشتراها بعد ميلادها مباشرة وكان لا يريد بيعها أبداً , ومات وتركها لكارمينى وتمسكت بها أيضاً لأنها أخر شىء ملموس تبقى من أبيها , كارمينى كالجبل تحملت كثيراً فى حياتها , كل من أحبتهم رحلوا عنها فى لمح البصر , تَغيّبوا عن الصفحات فى ساعة واحدة فى حادث مُريب .
بمُجرد ركوبنا السيارة , لاحقتنى بصوت دقيق وجاد ,, كيف حال الدراسة
رددت بخير ,, فقالت بحزن وإرهاق وكيف أخبار بلدتنا معك ؟
وقبل أن أجيب بادرت بهذه النصيحة الغريبة التى برغم سماعها كثيراً منها إلا انها هذه المرة كانت غريبة جداً وتثير الفضول , كان جوفها يتألم , وعيناها تلمعان , شُعرت بشىء غريب , قالت بصوت رقيق " أتمنى أن تحاول ان تتأقلم مع الوضع الحالى , اترك ما مضى , حب الحياة , جدد ايامك ومارس أشياء جديدة , اذهب للصيد أو لمشاهدة مباريات كرة القدم , لا تترك نفسك هكذا "
قلت لها .. لماذا تقولين لا تترك نفسك هكذا ؟ ...
وقبل أن أُكمل أستكملت حديثها بلمعان أقوى فى عينيها وصوت هش يريد الرحيل , قالت اسمع لابد ان تفعل ذلك , لم يبق الكثير .
هيا لقد وصلنا للجامعة , أراك فى أمسية اليوم , ساُكمل أنا طريقى للسوق وسوف أعود على الفور .

وفى هذه اللحظة لمحت كارمينى تغمض عينيها بين الحين والأخر ويبدو عليها الإرهاق فسألتها أن أوصلها لأنها تبدو مُرهقة جداً وربما لا تستطيع قيادة السيارة .
فرفضت وقالت " لا اذهب انت لدراستك , وانا سأذهب وحدى , سأذهب وحدى "
فابتسمت لها وسألتها إذا كانت تريد أن تدخل معى لأعرفها على حبيبتى التى احكى لها دوماً عنها . فقالت مرة أخرى .
" كما تريدين سيدتى العجوز كارمينى " هكذا رددت عليها بإبتسامة مُشرقة تشبه إبتسامتى لحبيبتى التى سأراها بعد دقائق , انتعش هكذا كلما تذكرتها أو أتت سيرتها أو قبل رؤيتها .
" سيدتى العجوز , اما زلت مُصر " هكذا همهمت كارمينى ولم أفهم ما قالت .
ورحلت كارمينى ذاهبة للسوق , وذهبت أنا قاصد المقهى المقابل للجامعة الذى اعتدنا أن نجلس فيه دائماً , كان معادنا فى تمام الثامنة صباحاً وقد وصلت أنا مُبكراً بفضل كارمينى , أصبحت كارمينى هى البلدة التى أعيشها هنا , جعلتنى أرى كل الأشياء كارمينى .

وصلت أنا المقهى الساعة الثامنة إلا عشر دقائق , أخرجت دفتر كتاباتى من حقيبتى وبدأت أُدون بعض همساتى لحبيبتى وبعض الحماقات التى أراها فى الحياة , دائماً ما أرى نفسى سأكون مُفكراً وحكيماً يوماً ما لكنى لا أعرف متى سيأتى هذا اليوم , أعى جيداً أن الحكمة ليست لقب ولكنها منهج وأنا لا أعرف إذا كنت اتبعه فى حياتى أم لا , لكنى أرى كل الأشياء المعنوية تتقلص وتتلاشى وتسمو إلى خالقها , والبشر يتعمدون البقاء فى ارتكاب الحماقات ربما فطرتهم هكذا .. ربما !

أبحرت فى كتاباتى التى دائماً يغلب عليها طابع الكأبة القاتم , كان اخوتى دائماً يسموننى بالكئيب واعتدت أنا على الكأبة ربما أجد نفسى بين ملامحها , التصقت بى وأصبحت معى دائماً , لكن اخوتى ليسوا معى , اشتاق لهم كثيراً وافتقد أبى وأمى أكثر .

لم اهتم بالوقت أثناء الكتابة ولكنى شعرت أن حبيبتى قد تأخرت وبالفعل وجدت الساعة الثامنة والنصف , التمست لها الأعذار فى تأخيرها وواصلت الكتابة فى إنتظارها , ولمحت فى المقهى كل رموز الحب جالسة فى لوحات فنية تعبر عنها الأشواق بمُنتهى الروعة على كل طاولة , كل المعانى تتألف حولها لتأتى بالمعنى الحقيقى الأبدى الذى أعرفه جيداً أنا وحبيبتى , ظل الأشجار يطل عليهم من النوافذ ورائحة خريفية ترسم النسمات فى الهواء , موسيقى هادئة فى المقهى , هدوء تام من طاقم عمل المقهى , جواً ساحراً تأملته لحظات ونظرت للساعة فوجدتها تمت التاسعة , فأدركت انها لن تأتى , ربما هناك ظرفاً طارئاً تسبب فى عدم مجيئها . وضعت دفترى فى حقيبتى وتركت حساب المشروب على الطاولة ورحلت .

ركبت تاكسى من أمام المقهى , كان السائق يسير بسرعة جنونية , وصلت بحمد لله إلى المنزل وكانت أسرع مرة أصل فيها بسبب هذا السائق المُختل .
ووجدت سيارة كارمينى , وتعجبت لعودتها مُبكراً , سمعت همهمات عالية وأصوات كثيرة وأنا فى الخارج , لمحت أناس يلتفون حول بيت كارمينى , ذهبت لهم مُسرعاً , الرجال يبكون فى صمت والنساء جيراننا يبكون ويتأملوننى ويحدقون فىّ بشكل عجيب , التفت على يمينى لأجد الصاعقة , وجلست بجوارها كلى أمل أن يكون ما فهمته كله خاطىء , جلست أخاطبها , كارمينى ماذا بكِ , لا ترحلى من سيقضى معى أمسياتى ويسمعنى , من سيطل علىّ بإبتساماته المُشرقة , كارمينى .. كارمينى .. كااااااااااارمينــى  !!

أجهشت فى البكاء , وحاول أحد جيراننا أن يواسينى ويجعلنى اهدأ , لكنه لم يحدث ودخلت أتجول فى المنزل أبحث عن كارمينى , ربما يعبثون معى وكارمينى ما زالت موجودة , لم أكن اتخيل انها حقيقة .. كارمينى رحلت .
جلست فى غرفة نومها , مُنكس الرأس أشعر بكل خيبة الأمل فى هذه الدنيا القاسية , وسمعت حوار بين اثنتان من جيراننا لم أعرف من هم , قالت واحدة : ها هى كارمينى ظلت بجواره سنوات وهو ما زال فى عالمه فقالت لها الأخرى ماذا تعنى ؟
فقالت : أتت كارمينى هنا بعد حادثة أهلها وكان عمرها 22 عاماً لم يتبق لها أحد فى الحياة غير ذلك الشاب الذى تحبه حباً صامتاً , أتت لتسكن هنا بجواره بعد أنا ماتت حبيبته فى الجامعة , قد تكلمت معى كارمينى بخصوص ذلك من قبل , كنت قريبة جداً منها , كانت تعشقه لأبعد حد .

لم تستوعب أذناى ما سمعت , هول الصدمة الثانية المباشرة كان أقوى من كل شىء رأيته فى هذه الحياة منذ أن جئت لها , لم تستطع قدماى النهوض ونظرت صامتاً فى المرآة لمحت شعر رأسى أكثره غلب عليه الشيب وأصبح لونه أبيض , وكأن المرآة كانت تكذب علىّ طوال هذه الفترة وعكست المرآة بجوار شعرى فى صورتها جملة كتبتها كارمينى على الحائط  .
" 30 سنة فى حُبك وما زلت انت فى عالمك الذى لا تريد أن تقتنع بحقيقته وتراها , ليتك أتيت ولو لمرة واحدة عالمى , ثلاثون عاماً ترانى عجوز "

جلست أردد " كارمينى لم تكن ذاهبة للسوق , كارمينى أتت لتودعنى قبل أن ترحل "
رددتها أكثر من مرة حتى أغشى علىّ .

نقلونى الجيران إلى بيتى , استيقظت على صوت المنبه فى اليوم التالى فى الساعة السابعة صباحاً ولكنى لم انهض من فراشى فقد أدركت واقعى الأليم , وقمت بضبط المنبه على الساعة التاسعة , استكملت نومى فى درجة رائعة من اللاوعى , هذا هو الحل أمام هذه الحقيقة المُرة , لم تعد توجد حلول , الحياة تكاتفت مع كل شىء لتضع لى إختبار صعب جداً فى الصمود وها أنا أعلن فشلى بجدارة , رن المنبة فى تمام التاسعة وظل يرن ولكنى لم استيقظ ورحلت لواقعهم هم .

كنت أتمنى أن تكون النهاية هكذا ولكنى استيقظت وما زلت حياً أُرزق عذاب مُضاعف !!

الجمعة، 19 أغسطس 2011

بشـر .. قصة قصيـرة

استيقظ عمر فى السابعة صباحاً وكعادته جلس قليلاً على حافة فراشه كى يـُقنع نفسه بأنه قد نام وقتاً كافيـاً ليتحمل عناء يومه من مواصلات وإستيعاب لمشاكل أصدقائه وتناقضاتهم , وليتحمل عناء ما يراه دائماً من حماقات الدنيا .

نظر عمر إلى مكتبه ومد يده وأخذ هاتفه ليرى هل كان هناك مكالمات فائتة أم لا ,
وكالعادة لم يجد أية مكالمات ,, فنهض وتوضأ وصلى فرضه
وأحضر لنفسه كوباً من الشاى وجلس يرتب أولويات يومه ويفكر ماذا يفعل بعد أن يعود من الجامعة .. وماذا عن وقت الظهيرة .. وماذا عن المساء .. هل سأخرج مع أصحابى .. أم سأقضيه فى المنزل مع كتاب ما .

وأخذ يُحدث نفسه .. أولاً سأذهب إلى الجامعة , أعرف أنه يوماً مكرر منذ المرحلة الإبتدائية سئمت من العيش فيه ولكنى مجبراً , أرى فيه أساتذة يحلقون فى أسقف المدرج فقط ولا أرى أحداً منهم يُحلق يوماً فى سقف هذا العالم الغريب ويجعلنا نُحلق معه بخيالنا , لم أسمع أحداً منهم يوماً يحثنا على القراءة , بل أسمع منهم دائماً المقرر فقط , وربما " تحبوا تسمعوا الشرح ولا تكتبوا " .. وكفى ذلك حتى لا تصابوا باليأس ربما منكم من سيلتحق بالجامعة قريباً , ونصيحتى لمن سيلتحق قريباً أن يحلق فى السماء ولا ينتظر أحداً يُحلق معه " حلـّق بتأملاتك وذاتك وقراءاتك ولا تحزن أنك وحيداً , سيأتى اليوم الذى يُحلق الأخرين خلفك , وينتظرون إرشادك "

هذه هى ساعات الجامعة الأولى .. نأتى لساعاتها الأخرى التى تكفى بأن تجعل منك رجلاً حكيماً وفيلسوف عصره وزمانه وهذا فى حالة أن يكون شخصك ذو طبيعة متأملة مثلى حينها سترى مجموعة من التناقضات المجتمعية الرهيبة التى تندهش لحدوثها من الطلبة وكذلك الأساتذة .

و عند عودتى من الجامعة سأستريح قليلاً لأننى مدعو على العشاء مع أصحابى ولكننى لم أعد أحب الخروج معهم .. أصبحوا تملئهم الخطايا والتناقضات ( فمنهم من يهوى معاكسة الفتيات ولا يرضى ذلك لأخته , وأخر فى دوامة المزاج ويهوى التدخين , وأخر حاد فى أفكاره ولا يتقبل الرأى الأخر , وأخرى أصبحت تفعل كل ما تهوى لمجرد كلمة والدتها " بعد ما تتخطبى بإذن الله ابقى البسى النقاب " بعدما طلبت منها أن ترتدى النقاب أسوة بها فرفضت والدتها أن ترتديه فى ذلك الوقت وأصبحت هذه الفتاة مُقتنعة بأن مرحلة ما قبل الزواج لا تقيدها قيّم , وأخرى من كثرة تهميشها فى المنزل وعدم أخذ رأيها فى القرارات التى تخصها , حتى فى حديثهم عن المستقبل فدائماً ما يفرضون تصوراً غريباً لمستقبلها دون أخذ رأيها فى الإعتبار , فبدأت تنسحب من وجودها المنعدم فى البيت لتصبح صاحبة القرار فى علاقة شبه بريئة على الإنترنت , تحدث شخص ويحدثها , تحكى له ويواسيها ويحكى لها وتشاركه وربما تنجرف بهم العاطفة النابعة من الشعور بالحاجة , ويتعلقا ببعض فى حين رؤيتهم إستحالة تحقق ما يتمنوه . )
حدثتهم كثيراً فى حياتهم هذه ولكن لا حياة لمن تنادى !

فى ظل هذا التأمل العميق لأيامه العقيمة .. انتهي عمر من كوب الشاى وجلس يقرر .. ماذا يفعل ؟
وانتهى بقراره الحاسم ألا يذهب الجامعة اليوم وألا يخرج مع أصحابه وقرر أن يقضى يومه كله فى القراءة , فهو بدأ يقتنع تماماً بمقولته التى اعتاد قولها عن القراءة " لم أعد أرى إبتسامتى إلا عندما اقرأ .. حينها أرى العالم من على قمم عالية فتنكشف لى كل روائعه وحماقاته وتزداد تفاصيلها الدقيقة فأجتاز مرحلة الإبتسامة وتتعالى ضحكاتى . "

وحتى القراءة أيضاً .. بدأ ينزعج منها لوجود تحرر وإباحية غير مُبررة فى بعض الروايات , ولا يعلم سبب وجود تلك الحماقات فى الكتب التى من المفترض أن تكون وسيلة للتنوير والمعرفة .

وظل منغمساً فى القراءة إلى أن غلبه النوم ..!

ثم استيقظ .. على أذان صلاة العصر , وكان من المفترض أن يذهب للصلاة فى المسجد كالمعتاد ولكن عزيمته ضعفت أمام إستكمال المقطوعة الموسيقية التى كان يسمعها أثناء فترة قراءته ونومه .

وبعدها ...

تأمل فعلته هذه للحظات .. وانزعج كثيراً لها , وارتفع صوت ضحكه وردد بصوت عالى
كل يوم أحلم بالمدينة الفاضلة .. وكل يوم أصحى ألاقى انا وكل الناس " بشر "