الأحد، 24 أغسطس، 2014

فى ساعة متأخرة جداً من الليل


الذكرى واقفة مثبّتة المشهد
والصورة تعلى فوق ملامحها بسنين..
........................................................
ذهبت له فى ساعة متأخرة جداً من الليل لتُدرك انها لم تستيقظ..!!

........................................................
أحياناً بيكون فى صناديق زبالة قريبة مننا لكن مبنشوفهاش، وبنفضل ندوّر طول الطريق على غيرها وشايلين فى إيدينا اللى عايزين نرميه.. عشان بس نقنع نفسنا اننا بنضحى وصابرين.

........................................................
دايماً بشوف ان مفيش إختلاف كبير بين مشهد الميلاد والموت، وبعتبرهم مشهد واحد.

........................................................

معرفش ليه بحس ان الوقت ليه ملامح، ليه وجود، ليه حتى إنفعالات وردود أفعال..!!

........................................................
متحاولش توّقف الزمن دايماً، متحاولش تصوّر وتسجل كل اللى بيحصلك.. عشان أحياناً الزمن بيرفض ده، واعرف ان الإستغناء عن توثيق الحياة بيحميك من شىء هتدركه جداً فى المستقبل.

........................................................
أحياناً الخيال بيكون فيه جزء من الحقيقة، واللى صعب تعرفها مهما كان قُربك من الواقع..!!
........................................................

مش دايماً لما بتزيد المسافة بينك وبين نقطة معينة بعدت عنها بتكون الرؤية مش واضحة.. بالعكس ممكن جداً المسافة دى تخليك تشوف بشكل واضح وتعرف حجم النقطة الطبيعى والمنطقى وتقتنع أكتر بضآلتها وصغر حجمها.

........................................................

فى السينما بيكون فى بداية - وسط - نهاية، تسلسل بيحاكى مسار حياتك:
ولادة - حياة - موت

بس النهاية فى الحياة بتكون دايماً الموت، لكن فى السينما مش دايماً الموت بيكون هو النهاية،
السينما بقى بتديلك الفرصة انك تستنى لحد التتر ما يخلص، وتقعد تحلل وتفكر فى اللى حصل، الفرصة اللى عُمر الحياة ما هتديهالك أبداً.

........................................................
لحد النهاردة محدش قادر يُجزم ان الحياة قصيرة أو طويلة،، لكن محدش يقدر يختلف ان فى دايماً قدامك فرصة.

........................................................
شَبِّكت إيدى فى الهوا وناديت..
يا اللى انتِ اسمك منتهاش م الأرض..!!

........................................................
يا اللى انتِ روحك متعلقة م الطرف.. فرحانة ليه بالزخرفة ع الظرف؟

........................................................
الشمس طاحت فى المكان كله، والضحكة ذاعت صيتها ع الآخر.

..............

الأربعاء، 2 يوليو، 2014

لا أحد يُدخن فى الغرفة

لا أحد يُدخن فى الغرفة.. من أين يأتى هذا الدخان؟ أشعر بدوائر مُنتظمة من الدُخان تتسرب إلى صدرى، ازدادت حين وضعت سماعة الهاتف بعد مكالمة أخى جمال، سمعت ما قاله جيداً ولم يبقى سوى أن استوعبه .. علىّ الآن أن اسير فى الشوارع مُنكس الرأس رافعاً شعار حىّ على التوبيخ يا رفاق، أنا جاهز الآن لنصيحتك لى عما ينبغى فعله فى السنوات القادمة.. ولا تنسى أن تُذكرنى بنسبتى المئوية.. عشرون بالمائة أخرى كانت كافية أن تجعلنى إنسان صالح أُعمر فى الأرض دوماً.. الصمت يدور حول أذنى يُرثينى فيما فقدت هذه الليلة، ظلت جملة واحدة عالقة بها جائتنى من خلف الكواليس، شخص ما كان واقفاً بجوار أخى لم استطع أن اُميز صوته لكنى أعرفه جيداً .. دائماً أميزه بقصر قامته وعيناه المحدبتان وإبتسماته التى تأتى بعد عناء لإقناعنا بنقاءها.. كان يدّعى دوماً معرفتنا، أعتقد انى رأيته يوماً فى بيتنا .. لقد بدأت ذاكرتى تخوننى .. أنا رأيته كثيراً عندنا.. قالها بثقة من لا ينتظر رداً:

- هو هارب من النتيجة يا جمال ؟ كنت احسبه متفوقاً وسَيُشرفنا !

خرجت بعدها ضحكاته عن قصد، تُقصى كل ما فى طريقها لتعبر أذنى.. لُـعاب بطريق مُنقرض يظل فى فمك لمدة يوم كامل.. لما هذه المصادفة.. لما لم تظهر النتيجة وأنا فى المنزل.. لما لم تتأخر كعادتها وكعادة كل شىء هنا؟!

انزلقت بداخلى وتكوّرت جانباً على سريرى أتجنب نداء عمى لتناول العشاء.. أى عشاء فى الواحدة والنصف صباحاً !! مرت دقائق قليلة وحدث ما كنت أخشاه وخرجت من الغرفة واضعاً على وجهى إبتسامة صفراء مُتبلدة إستعداداً للنقد اللاذع أو السخرية ربما، لا شىء مستحيل حدوثه لضحايا الثانوية العامة..!!
سنأكل اللحم سوياً، جلسنا نقطعه عدة مرات ونرتبه قبل أن نضعه فى أفواهنا، قد ساعدتهم بإبتسامتى وثباتى الإنفعالى الذى تعرفت عليه لأول مرة فى هذه الليلة.. هل أنا بارد حقاً أم اننى اتخفى بداخله حتى لا أُقطع رؤوسهم وأضعها فى الأطباق بدلاً من هذا اللحم الذى شاركنى فى معاناتى.. كلانا يُغتصب الآن ويُعذب.

الحقيقة...؟
بين دهاليز الأمل وقمة الإنكسار

  ***************

عُدت إلى بلدتى أسير فى تَتبُع المتطفلين باحثاُ عن بيتى، من تلك التى تزوجتها دون علم أهلها لأحصل على هذا الكم من التوبيخ والشماتة؟ نظرات لا تحتاج لذلك الشخص الذى يجلس فى القنوات الفضائية ليَعبث بالأحلام.. الرسائل دائماً واضحة ونحن الذى نجهلها بإرادتنا.

حالتى كانت لا تسمح بالتدقيق أكثر من ذلك، بلدتنا صغيرة.. ريفية.. أهلها يعرفون بعضهم، أنا اليوم "إدوارد نورتون" الذى اقتحم قريتهم.. لما لم أسير بينهم بشخصيته فى فيلم ( نادى القتال )، عسى أن أُقنعهم بالفكرة "أنت لست نسبتك المئوية".

كنت مُنكس الرأس بالفعل.. استقبل ألف مبروك من هذا وذاك وأرد فى عجلة، أقابل بعدها من يستدرجنى للوقوف معه بضع دقائق لأجيب له على إستفسارته ونتيجة فلان وسارة ودعاء وكارم وعلياء.. اسم الفتى الذى جاء فى المُنتصف كان تمويهاً عظيماً من صاحب الأسئلة الذى تخرّج لتوه من الجامعة ويبحث عن عروس ولا يريدنى أن أعرف حقيقة سؤاله.. لماذا يُجبرون حيوانات الساقية على السير فى الظلام ؟!

لاحقتنى شوارع البلدة بضيقها، وآسرتنى بضآلتها، حتى جاءت نظراتها هى.. صاحبة العيون الزرقاء والشعر البنى الذى لم أعرف لونه حتى الآن، أتخيلها دائماً أجمل إمرأة وأعذب أنثى.. كانت تقف فى البلكونة تربط شيئاً حول عُنقها، لمحت فى عينيها نظرة ثقة.. الوحيدة التى لم تُشعرنى بعجزى.. ما الذى يجعلها فى ثبات هكذا، ربما هى الوحيدة التى تعرف ان ما حدث ليس بيدى، واننى أكثر قدرة وذكاء عكس ما أشاع عنى البعض.. هى واثقة من ذلك.. هى تحبنى، كنت أرى نظراتها التى تختلسها من أجلى فى دروس العربى والكيمياء، لم أطيل النظر إليها حتى لا يشعر أحد بعلاقتنا التى لن تبدأ.. سارة لم تكن يوماً هكذا، دائماً تنظر لى وتبتسم وتسعى ان تتحدث معى، اليوم أصبحت فتاة أخرى ممن غَلفهن الوهم، فقررت ان تُجرب الوهم الذى دسه كل أهل القرية فى عقلها معى، المكانة الإجتماعية والعريس الغنى ابن الناس وكفاية ان اسمك دكتورة!
قد جائتنى البِشارة وعَلِمتُ نسبتها من مكالمات أصدقائى لى قبل عودتى (سبعة وتسعون بالمائة)، أهلاً بكِ فى الأكذوبة.. نتمنى لكِ حياةٌ أفضل وعلمٌ يَنفع.

أكملت مسيرتى حتى وصلت إلى البيت، وجدت الباب مُغلقاً بعكس حالته فى النسب المئوية الأعلى لأخى وأختى فى السنوات السابقة، وضعت المفتاح به ودخلت.. أين صناديق المياه الغازية ؟!

تفاجئت قليلاً بالوضع فى الداخل، لا أحد ينتظرنى.. الكل فى عمله وكأن شيئاً لم يكن،فقط شخص فقد نفسه، الفكرة الوحيدة التى ستصلك حال تأملك أقوال من بجوارك؛ ان الغريب لا يعرف سوى انه غريب..

الثلاثاء، 1 يوليو، 2014

خطوات مُرتعشة

وقف يَقضى حاجته كمن يُلقى خطاباً أخيراً، نصفه السفلى يهتز كراقصة فى مرحلة الإحماء، وجهه يحمل قدراً من الإرتباك وفى فمه سيجارة تجود عليه بكرمها، أخذ ينظر لجدران الحَمّام بتوتر من يبحث عن حل للغز عجز عن إكتشافه المُحقق كونان.. بصق سيجارته على الأرض، وخرج بظهره كما اعتاد الخروج من أى مشكلة تواجهه.


مشى قليلاً حتى وصل إلى غرفته، وجدها كما هى ترتعش فى خفة ودلال، اقترب منها ..مسح بيده على رقبتها.. تحرك ثم تبعته هى بخطوات واثقة نحو شُرفة الصالة المُطلة على فيلا مهجورة وأشجار تحولت لتجاعيد نُقشت فى الأرض بأوراقها المُتساقطة، جلسا يتأملان القمر أو ربما كانت مناجاة للسماء فى نظرة أخيرة للحياة.. تركها فجأة ونهض، قدماه تتحمل قصر الطريق بصعوبة.. ابتلع ريقه لا إرادياً واحنى رأسه ثم صعد على سور الشُرفة.. نظرت له ثم هزت رأسها وتقدمت للأمام تبحث عن شىء لم تجده فى بيته منذ يومين أو أكثر، عثرت فى طريقها على بعض فتات طعام، تناولته فى نهم قبل أن تقف خلفه.. التفت لها وابتسم.. بكى كثيراً قبل أن يضحك ويَلّوح بيده بإشارات غير مفهومة كقائد أوركسترا ضَلّ طريقه، تحدث بصوت عالٍ عساه يجد رداً.. كان يتمنى أن يجد من يحاوره فى هذه اللحظة:

- مفيش مساحة للفلسفة، ومفيش وقت للحياة


- بتحبينى؟


- الموت حقيقى، مش كده؟


- احنا غرقانين فى الرمادى

-
-

صمت كل شىء حوله ما عدا قلب ينبض بشدة، يزداد نقاء نبضه تدريجياً ، تمتم اسماً واحداً كان اسمها.. بعدها انقطع سمعه وانعدمت الرؤية تماماً.

الثلاثاء، 3 سبتمبر، 2013

ما قبل البداية 2

أغمضت عينى لا إرداياً لمّا سقط الكتاب من يدى وجلست على الأرض أجر ظهرى بجانبى ، اتأمل غرفة غريبة غير التى كانت تعيش بداخلى من قبل..أوراق تعتلى الجدران عليها أشياء غريبة لم أقوى على قرائتها لمّا دققت النظر لها، مكتب ما زال مُحتفظ بوظيفته رغم ما فُعل به، وبرواز تخرج منه إبتسامة رقيقة تشبه إبتسامة سلوى.. الباب ما زال مُغلقاً.. والحقيقة ما زالت تائهة !!

وبعد لحظات صارعت فيها الكسل وجدت نفسى فى الحمّام تنهال علىّ قطرات المياه فى حوض الإستحمام مداعبه الضوء المنبعث من شباكه الذى يطل على المطبخ، فالحمام لمباته محروقة ولها أكثر من عام تحتضن الدويل القلاووظ، تتراقص فى آذنى اليسرى أنغاماً لعود وجد من يجتذب أوتاره.. وأذنى اليُمنى يملئها صخب الشارع ويعلوهما صوت طبلة أبى، دقات مُنتظمة تخترق أذنى ، تعلو فى كل مرة وتزداد قوة.. ارتعش جسدى ودمعت عيناى حين أُدركت انه لم يعد لى دهرٌ من الآن، ما زالت تتردد فى أذنى حتى الآن.

توفى إلى رحمة الله تعالى الحاج جاد عبد الكريم المسحراتى والد كل من محمد جاد عبد الكريم و مُراد جاد عبد الكريم وشقيق الحاج منصور عبد الكريم، والدفنة بعد صلاة العصر والعزاء قاصر على المقابر..
- آلو .. مين معايا
- مين معايا
- البقاء لله يابنى، شد حيلك
- مش سامع.. عَلّى صوتك

وقتها لم أعد بحاجة لوضوح الصوت، قفز فى آذنى صوت عالى يُردد خبر الوفاة، (توفى إلى رحمة الله تعالى الحاج جاد عبد الكريم المحسراتى....) أتى من سماعات يضعوها على سيارة نصف نقل تسير فى الشوارع لإخبار أهل القرية والقُرى المجاورة بحالات الوفاة

- أبوك مات يا مُراد

مواساة جرداء باهتة وزفة من الدموع والعويل لم تفعل شيئاً سوى انها آلمتنى أكثر.. حين تُدرك العُمق وتتوغل بأطرافٍ تأبى التقدم فى مسيرة يتحاشها عقلٌ يركض بشدة فى الماضى، وقتها ستصبح رأسٌ بلا فم وجسدٌ بلا أرجل..

اليوم أول أيام الشهر الكريم، أول رمضان بدون أبى...
أكملت هذا الحمام البارد وخرجت مُسرعاً من هذا المُكعب الضيق، بعد خروجى جَلست مُكبراً لآيات النظام الأسطورى الذى يجعلك تعتصر بكاءاً وندماً على حياتك القذرة، وزحفت على أرضية شفافة اُغتُصبت من قبل.. تستطيع ان ترى منها قاع الجحيم حتى وصلت إلى غرفتى.. تباً لحياة العُزاب !!

نظرت إلى المنضدة الوحيدة فى الغرفة، تقف فى عزة بثلاثة أرجل ونصف..أكملت لها النصف الباقى بقالب طوب أبيض ليكون سند لها باقى عُمرها، وجدت عليها طبق به بقايا طعام أول أمس وهاتفى المحمول بجانبه، أمسكت بالهاتف وطلبت رقم أمى.. أين صوتها، ثوانى وجاء صوتها

- ازيك يا ضنايا.. كل سنة وانت طيب
- الحمد لله يا حَجّة، بعودة الأيام.. طمنينى عليكِ
- فضل ونعمة يابنى
- محمد ومراته عاملين ايه معاكى ؟؟
- كويسين مش ناقصنا غيرك يا مُراد
- هانت يا ست الكل، كلها كام أسبوع واجمع كل مصاريف الكلية واجى اقعد معاكى لغاية الدراسة
- ربنا يقويك ويكرمك يابنى
- وحياة النبى يا امّا لو احتجتى حاجة تبقى تكلمينى
- حاضر يا حبيبى، خد بالك من نفسك انت بس
- حاضر.. فى رعاية الله يا حَجّة، مع السلامة

انتهت المكالمة التى هونت علىّ فقدانهم جميعاً. لكنى نسيت ان اسئلها عن إقتناع محمد بإمتهان مهنة أبيه حتى لا يأخذها منا أحد، فهى تأتى لنا برزق جيد كل سنة، آخر مرة تناقشنا فى هذا الموضوع لمحت في عيناه كِبرٌ  فى جملة رددها كثيراً دون أن يُحرك شفتاه "كيف لى أن أسير ليلاً أدق على طبلة لأوقظ أناساً لا يكترثون لطبلتى من الأساس، عادات رتيبة جوفاء) كان هذا رأيه دائماً حين يغضب من أبى ويأتى ليحكى لى، كانت تصدر منه كلمات تحيطها فروعاً من التبريرات  " ليه ميشتغلش شغلانة تانية.. محدش بيستنى الطبلة دلوقتى، احنا فى 2012 يا ناس " ، " مينفعش يا مُراد يكون دخلنا طول السنة من شغلانة فى 30 يوم بس، أبوك لازم يشوف حاجة تانية جنب موضوع المسحراتى ده "

توقفت الوساوس عن العبث برأسى لأنى أعرف محمد جيداً، هو ليس بغبى أو ساذج لهذه الدرجة، فهو يعرف ان أمى بحاجة لهذا المبلغ الذى يأتى فى نهاية هذا الشهر، محمد عصبى ومندفع لكنه أبيض القلب.. وسيخرج للعمل كأنها وظيفة إضافية له هذا الشهر فقط، أنا متأكد من هذا.

ألقيت بهاتفى على السرير و وقفت أمام المرآة أتحسس ذقنى التى رأيت فيها تجسيد حقيقى لقشرة التين الشوكى فيما قبل عصور النهضة، عيناى قد برزت إلى الخارج كسطر تتدلى من طفل فى المرحلة الثانوية غير قادر على كتابة اسمه.. نحيل أنا بالوراثة، وتعلو أسنانى صبغة صفراء قد توصلوا الأطباء الخبراء الذين يتخفون فى زى أصدقائى انها من كثرة تناول الشاى والقهوة وفريق أخر كاد أن يُجزم بأنها من قلة إستعمال السواك.. هؤلاء هم من اُطلق عليهم الآن (معرفة) اجتمعنا يوماً ما على لعب الكرة والأتارى والبلايستيشن والمذاكرة ليلاً على أضواء الأقمار الصناعية، لمست شعرى كعادتى حين أريد أن اتناسى شيئاً، وجدته يتخذ قضباناً من الشعيرات البيضاء، تقدمت خطوة للأمام أفرق بيدى بين خصلات شعرى أتبين أماكن هذه القلة المُندسة

سحبنى من شرودى صوت جرس الباب كمن يسحب أخر نفس فى سيجارته الأخيرة، نظرت عبر ثقب وُجد عن عِمدٍ من نجار الدرجة الثالثة الذى يُصلح لنا توالفنا، ها هو صديق الغربة المحلية الذي اتى سعياً وراء أجور تركيب السيراميك لذوى المال والنفوذ، وأحياناً ما يلحق بالأجور من فطار فاخر ومشروبات لم ولن نجدها يوماً فى القرية.. رامى، رفيق الأمل والضياع، باعث البهجة فى أحلك الأوقات، أنا أصغرمنه سناً، رامى حاصل على دبلوم فنى صناعى قسم لحام، له أكثر من ثلاثة أعوام يعيش فى القاهرة ، هو من عرض علىّ أن أسكن معه فى هذه الشقة عندما عَلِم أن جامعتى ستكون فى القاهرة، كلية التربية جامعة عين شمس، كانت هذه أمنية والدى التى اختلفت دائماً مع طموحاتى

فتحت له الباب، دخل ودخلت معه رائحة اشتقنا لها منذ مُدة طويلة

- اوعى تقول اننا هنفطر اللى أنا شامم ريحته ده
- ايوة يا سيدى، اومال جايبينه زينة يعنى
- بركاتك يا رمضان.. طب ايه؟ فى شغل جديد؟
- أكيد.. كنت قاعد مع مرزوق تحت، كلمونى من الشركة وقالولى هننزل فيلا فى التجمع الخامس
- يعنى انت مروحتش الشركة !! طب الفلوس دى جبتها منين يابنى؟
- ياعم استلفتها من مرزوق، طالما عرفنا ان فى شغل لازم نمنجه نفسنا وناخد باور عشان نعرف نشتغل
- ماشى ياعم الباور.. روح حطه فى التلاجة بقى، وخليك فاكر انت اللى عليك الدور النهاردة
- ربنا على المُفترى

***************

الثلاثاء، 9 أبريل، 2013

إنسانية مُهدرة وطفولة مشوّهة في مكامر الفحم بالبصيلى

تحقيق : سارة حراز - محمود جمعه


تجبرك الرائحة على حبس أنفاسك  كلما مررت على طريق  مدينة ادكو حيث تمـر السيـارة على منطقة ( البصيلى ) تسمى  المنطقة هناك - بمناجم الفحم - منطقة يعيش سكانها على مهنة ورثوها عن أجدادهم وتعتبر مصدر حياة لأغلب السكان ، وهى تحويل الأخشاب إلى فحم فأمام كل بيت يوجد تلال من الأخشاب التي يحولها السكان بطريقة ما إلى فحم ، حقيقة لن يصدقها إلا من مر من هناك ورأى بعينه حقيقة الأمر بل وكتم أنفاسه خشية تلك الرائحة ليكتمل إحساسه بمعاناة أهالى هذه المنطقة.

مهنة تستلزم خطوات تحمل بين ثناياها آدمية تُهدر عمداً لمن يعملون بها ومن لا يعملون، فى البداية تجمع قطع الخشب وتغطى بالتراب الأسود مع وجود نار بسيطة في الأسفل لتلتهم بهدوء في بقية الخشب المغطى وتظل مشتعلة لمدة تتراوح ما بين 10الى 15 يوماً ليتحول الخشب إلى فحم وتطفأ المكمرة بالماء لتخرج بعدها الإنبعاثات والأدخنة بدرجة تكفى لإقناعك فعلياً انك تسير فى نفق مظلم لا تستطيع تحديد معالمه، وتكاد لا ترى يديك من هذا الدخان ليهدأ ويبدأ في التسلل لصدور كل قاطنى المنطقة ليفعل فعلته ويرحلوا هم ويبقى هو ليقوم بدوره مجدداً.

وأوضح ساكني المنطقة أنها الصنعة الأساسية لهم بخلاف فصل الشتاء الذي يحول ممارسة المهنة بسبب الأمطار وبجانب ذلك ينفقون عليها من حسابهم الخاص ، وفى بعض الأحيان يدفع لهم بعض الأفراد أموالاً كنوع من التجارة في الفحم وتجنباً للتلوث قام الاهالى بعمل مكمرة مجهزة بفوهة لتحمى سكان المنطقة والمشتغلين بها من أضرار الدخان، و وصلت تكلفتها إلى حوالي 70 ألف جنية وفشلت لعدم الخبرة الكافية والإمكانيات اللازمة لها.

ضد الحكومة

(سنكون يد واحدة إذا حاولت الحكومة هدم أكل عيشنا) اتفق على هذا الكلام ساكني هذه المنطقة بعد  حالات اليأس والفشل الذريع من قبل الدولة في معالجة هذا الأمر وذلك بعد مطالبتهم من مجلس الشعب السابق وليس المنحل في توفير مكان لممارسة هذه المهنة الشاقة أو حتى توفيرفرص عمل بسيطة وبديلة لهذه المهنة من أجل حياة كريمة وهى أبسط حقوقهم .

وصل المواطنين لهذه الحالة بعد فشل الإعلام في تناول القضية فعلى حد قولهم أن قناة الحياة ذهبت إلى هناك وقامت بالتصوير معهم وعلى الجانب الآخر قام الاعلامى محمود سعد بإلقاء الضوء عليهم ولكن فوجئ الناس بشن حملات عليهم بعد ذلك وخصوصاً من جهاز حماية البيئة حتى وصل الأمر على حد قول البعض هناك أن كل مواطن لدية محامى خاص به ليتفاوض له فى أمر المحاضر التى يحررها لهم جهاز حماية البيئة.

وأكد المواطنين بأن الأطفال يعانون من حساسية الصدر التي تزداد سوءاً مع نزلات البرد ومع سؤالي لأحد سكان المنطقة عن كيفية تحمل الأطفال لمثل هذه الرائحة التي أكاد اختنق منها ، فأجابنى بنفس اللفظ ( الأطفال اتبرمجوا على كدا وهنعمل إيه ما إحنا طالبنا بتوفير مكان بس محدش بيحس بينا ودلوقتى مفيش دولة ) .
هذه البيئة فرضت على الأطفال واقع لا يريد احد أن يحلم به وحرمتهم من أمتع لحظات حياتهم وكل ذلك بسبب غياب العقل والقلب لدى المسئولين في العهد البائد والحاضر.

مستقبل بلا ملامح

واتفق ساكني المنطقة على فقدان الأمل في المسئولين ولكن ما زالوا في انتظار عدالة السماء لتحقيق أحلامهم في يوم من الأيام ، ولكن ماذا ننتظر من طفل شوّهت طفولته ورجل فقد صحته وأم ضاع عمرها بلا جدوى فكل عائلة هناك عليها مليون علامة استفهام ومليون علامة تعجب ؟!

قرية بأكملها ليست السابقة في أمرها ولا الحدث الأخير في هذا البلد تعيش على هذه الصنعة التي ورثوها منذ القدم ولا تطالب إلا بحقها الطبيعي فى الحياة، في ظل غياب الحكومة الحالية وتعنت الحكومات السابقة ليبقى السؤال: ما المطلوب لنجدة هؤلاء الناس وهل لدى أى مسئول الشجاعة ليذهب هناك مع أولاده ؟
رسالة وجهها اليوم ساكني هذه المناطق – أغيثونا وارحمونا ربما دعوة منهم كانت سبب في إسقاط النظام البائد وما زلنا ندعو فاتقوا دعوة المظلوم.