الأربعاء، 2 يوليو 2014

لا أحد يُدخن فى الغرفة

لا أحد يُدخن فى الغرفة.. من أين يأتى هذا الدخان؟ أشعر بدوائر مُنتظمة من الدُخان تتسرب إلى صدرى، ازدادت حين وضعت سماعة الهاتف بعد مكالمة أخى جمال، سمعت ما قاله جيداً ولم يبقى سوى أن استوعبه .. علىّ الآن أن اسير فى الشوارع مُنكس الرأس رافعاً شعار حىّ على التوبيخ يا رفاق، أنا جاهز الآن لنصيحتك لى عما ينبغى فعله فى السنوات القادمة.. ولا تنسى أن تُذكرنى بنسبتى المئوية.. عشرون بالمائة أخرى كانت كافية أن تجعلنى إنسان صالح أُعمر فى الأرض دوماً.. الصمت يدور حول أذنى يُرثينى فيما فقدت هذه الليلة، ظلت جملة واحدة عالقة بها جائتنى من خلف الكواليس، شخص ما كان واقفاً بجوار أخى لم استطع أن اُميز صوته لكنى أعرفه جيداً .. دائماً أميزه بقصر قامته وعيناه المحدبتان وإبتسماته التى تأتى بعد عناء لإقناعنا بنقاءها.. كان يدّعى دوماً معرفتنا، أعتقد انى رأيته يوماً فى بيتنا .. لقد بدأت ذاكرتى تخوننى .. أنا رأيته كثيراً عندنا.. قالها بثقة من لا ينتظر رداً:

- هو هارب من النتيجة يا جمال ؟ كنت احسبه متفوقاً وسَيُشرفنا !

خرجت بعدها ضحكاته عن قصد، تُقصى كل ما فى طريقها لتعبر أذنى.. لُـعاب بطريق مُنقرض يظل فى فمك لمدة يوم كامل.. لما هذه المصادفة.. لما لم تظهر النتيجة وأنا فى المنزل.. لما لم تتأخر كعادتها وكعادة كل شىء هنا؟!

انزلقت بداخلى وتكوّرت جانباً على سريرى أتجنب نداء عمى لتناول العشاء.. أى عشاء فى الواحدة والنصف صباحاً !! مرت دقائق قليلة وحدث ما كنت أخشاه وخرجت من الغرفة واضعاً على وجهى إبتسامة صفراء مُتبلدة إستعداداً للنقد اللاذع أو السخرية ربما، لا شىء مستحيل حدوثه لضحايا الثانوية العامة..!!
سنأكل اللحم سوياً، جلسنا نقطعه عدة مرات ونرتبه قبل أن نضعه فى أفواهنا، قد ساعدتهم بإبتسامتى وثباتى الإنفعالى الذى تعرفت عليه لأول مرة فى هذه الليلة.. هل أنا بارد حقاً أم اننى اتخفى بداخله حتى لا أُقطع رؤوسهم وأضعها فى الأطباق بدلاً من هذا اللحم الذى شاركنى فى معاناتى.. كلانا يُغتصب الآن ويُعذب.

الحقيقة...؟
بين دهاليز الأمل وقمة الإنكسار

  ***************

عُدت إلى بلدتى أسير فى تَتبُع المتطفلين باحثاُ عن بيتى، من تلك التى تزوجتها دون علم أهلها لأحصل على هذا الكم من التوبيخ والشماتة؟ نظرات لا تحتاج لذلك الشخص الذى يجلس فى القنوات الفضائية ليَعبث بالأحلام.. الرسائل دائماً واضحة ونحن الذى نجهلها بإرادتنا.

حالتى كانت لا تسمح بالتدقيق أكثر من ذلك، بلدتنا صغيرة.. ريفية.. أهلها يعرفون بعضهم، أنا اليوم "إدوارد نورتون" الذى اقتحم قريتهم.. لما لم أسير بينهم بشخصيته فى فيلم ( نادى القتال )، عسى أن أُقنعهم بالفكرة "أنت لست نسبتك المئوية".

كنت مُنكس الرأس بالفعل.. استقبل ألف مبروك من هذا وذاك وأرد فى عجلة، أقابل بعدها من يستدرجنى للوقوف معه بضع دقائق لأجيب له على إستفسارته ونتيجة فلان وسارة ودعاء وكارم وعلياء.. اسم الفتى الذى جاء فى المُنتصف كان تمويهاً عظيماً من صاحب الأسئلة الذى تخرّج لتوه من الجامعة ويبحث عن عروس ولا يريدنى أن أعرف حقيقة سؤاله.. لماذا يُجبرون حيوانات الساقية على السير فى الظلام ؟!

لاحقتنى شوارع البلدة بضيقها، وآسرتنى بضآلتها، حتى جاءت نظراتها هى.. صاحبة العيون الزرقاء والشعر البنى الذى لم أعرف لونه حتى الآن، أتخيلها دائماً أجمل إمرأة وأعذب أنثى.. كانت تقف فى البلكونة تربط شيئاً حول عُنقها، لمحت فى عينيها نظرة ثقة.. الوحيدة التى لم تُشعرنى بعجزى.. ما الذى يجعلها فى ثبات هكذا، ربما هى الوحيدة التى تعرف ان ما حدث ليس بيدى، واننى أكثر قدرة وذكاء عكس ما أشاع عنى البعض.. هى واثقة من ذلك.. هى تحبنى، كنت أرى نظراتها التى تختلسها من أجلى فى دروس العربى والكيمياء، لم أطيل النظر إليها حتى لا يشعر أحد بعلاقتنا التى لن تبدأ.. سارة لم تكن يوماً هكذا، دائماً تنظر لى وتبتسم وتسعى ان تتحدث معى، اليوم أصبحت فتاة أخرى ممن غَلفهن الوهم، فقررت ان تُجرب الوهم الذى دسه كل أهل القرية فى عقلها معى، المكانة الإجتماعية والعريس الغنى ابن الناس وكفاية ان اسمك دكتورة!
قد جائتنى البِشارة وعَلِمتُ نسبتها من مكالمات أصدقائى لى قبل عودتى (سبعة وتسعون بالمائة)، أهلاً بكِ فى الأكذوبة.. نتمنى لكِ حياةٌ أفضل وعلمٌ يَنفع.

أكملت مسيرتى حتى وصلت إلى البيت، وجدت الباب مُغلقاً بعكس حالته فى النسب المئوية الأعلى لأخى وأختى فى السنوات السابقة، وضعت المفتاح به ودخلت.. أين صناديق المياه الغازية ؟!

تفاجئت قليلاً بالوضع فى الداخل، لا أحد ينتظرنى.. الكل فى عمله وكأن شيئاً لم يكن،فقط شخص فقد نفسه، الفكرة الوحيدة التى ستصلك حال تأملك أقوال من بجوارك؛ ان الغريب لا يعرف سوى انه غريب..

ليست هناك تعليقات: